المسؤولية الإدارية عن أعمال الشرطة

مقدمة
المسؤولية الإدارية عن أعمال الشرطة
الإدارة في الدولة المعاصرة أو ما يطلق عليها بدولة القانون تتمتع بسلطات واختصاصات واسعة تتعلق بكل الأعمال المادية والقانونية التي تسمح بتحقيق أهداف الوظيفة الإدارية فيها، بمعنى تحقيق المصلحة العامة عن طريق تسيير وتنظيم المرافق والمؤسسات العامة فيها.
وحتى تتمكن الإدارة من تحقيق أهدافها وممارسة وظائفها كان لابد من أن تتمتع بسلطات وامتيازات في مواجهة الأفراد وحرياتهم مثل سلطة الضبط الإداري أو البوليس وسلطة اتخاذ القرارات الإدارية بصورة انفرادية.
غير أن ممارسة الدولة أو الإدارة لمظاهر السلطة العامة وامتيازاتها يجعلها في احتكاك دائم بحقوق الأفراد وحرياتهم، بل وتشكل خطورة دائمة عليها، لما قد ينجم من انتهاك وخرق لهذه الحريات بسبب تعسف الإدارة، إذ تقيدها، كما هو الأمر بالنسبة لمبدأ المشروعية الذي يلزم الإدارة باحترام القانون، وأيضا مبدأ الفصل بين السلطات.
وإن كان المبدأ الأول يضيق نطاقه في ظروف معينة قد تتعرض لها الدولة، فتمنحالسلطة التنفيذية أو الإدارة سلطات أوسع وهي ما تسمى بالظروف الاستثنائية، وهذا قد يمثل خطرا كبيرا على الحريات، لذلك تدخل المشرع لتنظيم هذه الحالات.
بالإضافة لمبدأ المشروعية فإن هناك أنظمة الرقابة على أعمال الإدارة بمختلف أشكالها من رقابة سياسية وأخرى تشريعية.كما أنه تم إنشاء هيكل قضائي يتولى المنازعات الإدارية والرقابة القضائية على أعمال الإدارة ، يتمثل في القضاء الإداري المستقل، الذي يلعب دورا فعالا في حماية حقوق وحريات الإنسان والمواطن، فالقضاء إذن هو الجهاز الذي يمكن أن يضمن حماية حقوق الإنسان، لكن ذلك مرهون باستقلاليته بمختلف جهاته العادية والإدارية وخاصة بكفالة قضاء إداري مستقل يقدم كل الضمانات التي تسمح بحماية حقوق الأفراد في مواجهة أخطر السلطات على هذه الحقوق ألا وهي السلطة التنفيذية.
وتتولى أجهزة الشرطة مهام الضبط الإداري أي المحافظة على النظام العام بعناصره المختلفة إضافة إلى الضبط القضائي بمفهوم المادة 12 من قانون الإجراءات الجزائية ويندرج فيه البحث والتحري عن الجرائم المقررة وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها ما لم يبدأ فيها بتحقيق قضائي.فالضبط أو ما يسمى بالبوليس التي تمارسه الشرطة بمختلف أجهزتها من أمن وطني والدرك الوطني والأمن العسكري والجمارك، بالإضافة إلى جهاز الحرس البلدي وقوات الدفاع الذاتي ينقسم إلى نوعين : إداري وقضائي، فأما الإداري منه يهدف إلى1مقدمةالمحافظة على عناصر النظام العام المتمثلة في الأمن العام والسكينة العامة والصحة العمومية، وأما القضائي فيهدف إلى الكشف عن الجرائم بعد وقوعها وجمع أدلة الإثبات.
ونظرا للخطورة والصعوبات التي تكتسي أعمال الشرطة الإدارية والقضائية والناتجة عن خصوصية هذه الأجهزة في حد ذاتها واعتبارا لنشاطاتها المتميزة والذي يفرض على موظفيها التدخل السريع والفعال ونظرا لما يتعرض إليه الشرطي من ارتكاب الأخطاء وهو بصدد تأديته لمهامه أو حتى خارجها قد يرتب مسؤولية الجزائية أو التأديبية.
ولأجل ذلك ابتكر القضاء الإداري فكرة مسؤولية الدولة عن أعمال الشرطة وذلك حماية لحقوق وحريات الأفراد وحماية لأعضاء الشرطة نفسهم نظرا لما ينطوي نشاطهم من مخاطر بما يمنح حماية أكبر للضحية في التعويض إذ تصور فكرة الشخص المعنوي الذي يحل وينوب عن الموظف في دفع التعويضات.ويعود الفضل إلى القضاء الفرنسي في نشأة هذه النظرية، بحيث أصبحت نظرية متكاملة تمتاز بخصوصياتها ومميزاتها استنادا للنشاط المميز لأعمال الشرطة.ويكتسي هذا الموضوع أهمية بالغة خصوصا في ظل تزايد القضايا المطروحة أمام المحاكم الجزائرية خاصة في ظل الفترة الأمنية التي مرت بها الجزائر وما زالت تعاني منها بعض المناطق من بينها منطقة بومرداس، تيزي وزو، والتي يوجد فيها عدد معتبر من القضايا المتعلقة بالمسؤولية الإدارية عن أعمال الشرطة، ومن جهة أخرى فإن هذه النظرية لم تلق العناية الكافية، سواء من حيث المعالجة التشريعية أو من جانب العمل القضائي والذي أفقدها الوضوح اللازم لكفالة الأهداف المرجوة منها.ويثير هذا الموضوع إشكالية أساسية تتعلق بالنظام القانوني المسؤولية الدولة عن أعمال الشرطة؟ أي ما هو الأساس القانوني لهذه المسؤولية؟ وما هي خصوصيتها؟وهذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال الخطة التالية:



