تعدد المراجعات أمام القضاء الإداري وشروط قبولها وفق القانون والاجتهاد دراسة مقارنة

تعدد المراجعات أمام القضاء الإداري وشروط قبولها

تعدد المراجعات أمام القضاء الإداري وشروط قبولها وفق القانون والاجتهاد دراسة مقارنة

أطروحة دكتوراه في القانون العام من إعداد الدكتور أحمد رياض حارس النعيمي

تعدد المراجعات أمام القضاء الإداري

تقديم حول الأطروحة

يعرف القضاء الإداري بأنه الفرع القضائي المتخصص في النظر في المنازعات التي تكون الإدارة العامة طرفاً فيها، سواء كانت هذه المنازعات تتعلق بقرارات إدارية فردية أو تنظيمية أو بعقود إدارية، أو بمسؤولية الإدارة. يهدف هذا القضاء إلى تحقيق التوازن الدقيق بين امتيازات السلطة العامة وحماية الحقوق والحريات الفردية.تتميز طبيعة القضاء الإداري بكونه قضاء إنشائيا لا تطبيقيا فحسب، يُصنف القاضي الإداري بأنه القاضي الأكثر إبداعاً وقدرة على إنشاء المبادئ القانونية في مختلف فروع القانون. يتجاوز دوره مجرد تطبيق النصوص القانونية المقننة إلى خلق الحل المناسب” وإبداع الحلول” في النزاعات المعروضة عليه، خاصة في الحالات التي لا يوجد فيها نص قانوني صريح أو يكون النص غامضاً أو ناقصاً. هذا الدور يجعله مصدراً رسمياً للقانون الإداري، بل من أهم مصادره على الإطلاق، حيث ساهم في تشييد مبادئ هذا القانون ونظرياته العامة.إن هذه الطبيعة القضائية للقانون الإداري، حيث تنشأ مبادئه بشكل كبير من الاجتهاد القضائي بدلاً من التقنين الشامل، تحمل في طياتها تحديات تتعلق باليقين القانوني.

ففي حين أن هذه المرونة تتيح للقضاء التكيف مع التطورات المستمرة في النشاط الإداري، فإنها قد تؤدي أيضا إلى تباينات في تفسير وتطبيق القواعد القانونية، لاسيما تلك المتعلقة بالشروط الإجرائية لقبول المراجعات، إن شروط قبول الدعاوى التي تعتبر بوابات الوصول إلى العدالة الإدارية، تتأثر بشكل مباشر بهذا الدور الإبداعي للقاضي فالتفسيرات القضائية المستمرة لهذه الشروط يمكن أن تخلق بيئة قانونية دقيقة ولكنها قد تكون غير متوقعة للمتقاضين، مما يتطلب دراسة متأنية لكيفية تأثير هذا الديناميكية على فعالية نظام المراجعات.وبعد القضاء الإداري قضاء يقوم على مبدأ المشروعية، إذ يختص بالنظر في مدى قانونية القرارات الإدارية المطعون فيها، فيقضي بإلغائها متى تبين له عدم مشروعيتها. غير أن هذا المبدأ العام لا يخلو من استثناء، يتمثل في إمكانية تدخل القاضي الإداري لتقدير ملاءمة القرار الإداري، وهي سلطة تعود أصلاً للإدارة في تحديد ما إذا كان اتخاذ القرار مناسبًا أم لا.

ويقتصر هذا التدخل القضائي في الملاءمة على مجالين محددين، هما: الضبط الإداري والعقوبات التأديبيةويستند في ذلك إلى مبدأ التناسب؛ إذ يراقب القاضي ما إذا كانت التدابير المتخذة من قبل الإدارة تتناسب مع الأهداف المرجوة، لا سيما في إطار حماية النظام العام، فإذا تبين له عدم التناسب جاز له إلغاء تلك التدابير.وكذلك الحال إذا ما وجد عدم تناسب بين المخالفة التي ارتكبها الموظف العام والعقوبة المفروضة عليه، فإنه يقوم بتخفيضها أو بإلغائها حسب مقتضى الحال. ولقد كان لظهور القضاء الإداري في العصر الحديث أهمية بارزة، ورافدا مهما من الزوائد التي كان يجب أن يضمها النظام القضائي، لما له من قدرة فائقة على تفهم وتمحيص طبيعة روابط القانون العام، ورقابته المشروعية أعمال الإدارة، للتحقق من مدى مخالفتها للقانون، بالشكل الذي يجيد فيه عمليات تطبيق مبدأ المشروعية، من خلال التزام الإدارة الكامل بالقانون فيما تصدره من تصرفات باعتباره الملاذ الأمن للإدارة في تأمين حقوقهم وحرياتهم من تعشف السلطة وإساءة استخدامها لسلطتها.إلا أن أحكام القضاء قد يجانبها الصواب في بعض الأحيان، مما حدا بالمشرع في الدول التي تأخذ بنظام القضاء المزدوج إلى إيجاد جهة تكون مهمتها الرقابة على الأحكام الصادرة عن محاكم القضاء الإداري.فهو عبارة عن وسيلة قانونية وضعها المشرع لغرض إتاحة الفرصة للخصوم الطلب إعادة النظر في تلك الأحكام والقرارات التي تصدر بحقهم، بقصد إبطالها أو فسخها، بالإضافة إلى حماية المحكوم عليه، وضمان حسن تطبيق القانونيوفر الفضاء الإداري للأفراد مجموعة متنوعة من المراجعات أو الدعاوى القضائية للطعن في أعمال الإدارة، كل منها يخدم عرضاً محدداً:دعوى الإلغاء : تعد دعوى الإلغاء من أهم الدعاوى الإدارية وأكثرها شيوعاً. تهدف هذه الدعوى إلى إلغاء القرارات الإدارية غير المشروعة، أي تلك التي تخالف مبدأ المشروعية، سواء كان ذلك بسبب عيب في الاختصاص، أو في الشكل، أو في السبب، أو في الغاية، أو في المحل. يقتصر دور القاضي في هذه الدعوى على فحص مشروعية القرار، فإن ثبت عدم مشروعيته يتم إلغاؤه بأثر رجعي، دون أن يحل القاضي محل الإدارة في إصدار قرار جديد.دعوى القضاء الشامل: تمنح هذه الدعوى القاضي الإداري سلطة أوسع تتجاوز مجرد الإلغاء.

فبالإضافة إلى سلطة إلغاء القرار، يمكن للقاضي في دعوى القضاء الشامل أن يحكم بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالأفراد نتيجة أعمال الإدارة، أو أن يعدل القرار الإداري أو حتى أن يصدر أوامر للإدارة تستخدم هذه الدعوى غالباً في المنازعات المتعلقة بالعقود الإدارية، والمسؤولية الإدارية، والمنازعات الضريبية، ومنازعات الوظيفة العامة.

دعاوى التفسير وفحص المشروعية تخلص المحاكم الإدارية أيضا بالنظر في دعاوي التغير، التي تهدف إلى توضيح معنى نص قانوني أو قرار إداري غامض، ودعاوى فحص المشروعية التي تهدف إلى التأكد من مشروعية قرار إداري دون المطالبة بالغائه هذه الدعاوي تساهم في إرساء اليقين القانوني وتوجيه الإدارة في أعمالها.

ان وجود هذه الأنواع المتعددة من الدعاوى الإدارية يعكس نظاماً قضائياً متطوراً بهدف إلى معالجة أشكال مختلفة من عدم المشروعية الإدارية. ومع ذلك، فإن هذا التعدد في المراجعات يمكن أن يكون مصدراً للتعقيد، حيث يتطلب من المتقاضين فهم الفروقات الدقيقة بين كل نوع من الدعاوي، خاصة فيما يتعلق بنطاق كل منها والشروط الخاصة لقبولها. فالتمييز الواضح بين هذه الأنواع ضروري للتجنب الأخطاء الإجرائية التي قد تؤدي إلى رفض الدعوى، إن هذا التعدت يفرض ضرورة وجود معايير واضحة للتفريق بينها، ليس فقط في القانون، بل أيضاً في التطبيق القضائي الضمان أن يختار المتقاضي المسار الصحيح للطعن، وبالتالي تعزيز كفاءة وفعالية العدالة الإدارية.

من هناء يتناول موضوع دراستنا إجراءات الطعن بأحكام محاكم القضاء الإداري وخاصة قضايا التمييز، وبالتالي ستركز على بيان موضوع الطعن التمييزي من مختلف جوانبه مستعرضين النصوص التي حددها القانون المحاكم القضاء الإداري، وإجراءات الطعن بهذه الأحكام استئنافا وتمييزا أمام الجهات القضائية المختصة.

لقد اتسمت بعض النظم القضائية بشيء من التحفظ في التصدي للمنازعات الإدارية المعروضة أمامها، حيث اقتصرت معالجة هذه المنازعات في بداياتها على محاولات خجولة تمثلت بإنشاء لجان إدارية ذات اختصاص شبه قضائي، وأحيانا محاكم إدارية تنظر في بعض القضايا الإدارية إلا أن هذه المحاولات لم ترتق إلى مستوى تشكيل جهة فضاء إداري مستقلة بالمعنى

الحقيقي، إلا بقي الطعن تمييزنا في نهاية المطاف من اختصاص الجهات القضائية المدنية.

وبعد هذا النهج شائعا في الدول التي كانت تعتمد نظام القضاء الموحد، ومنها العراق حيث دفعت الإشكالات العملية الناجمة عن ذلك العديد من هذه الدول إلى الاتجاه نحو تبلي نظام القضاء المزدوج يقوم هذا النظام على وجود جهتين قضائيتين مستقلتين

القضاء العادي الذي يشمل محاكم من درجات متعددة تبدأ بمحاكم الدرجة الأولى وتنتهي بمحكمة التمييز، ويختص بالمنازعات بين الأفراد، وكذلك بالمنازعات التي تنشأ بين الأفراد والإدارة عندما تتصرف الأخيرة بوصفها شخصا من أشخاص القانون الخاص، كطرف في علاقة تعاقدية.

أما القضاء الإداري، فيتألف بدوره من محاكم متعددة الدرجات، تنظر في المنازعات ذات الطابع الإداري، وتصل إلى جهة قضائية عليا تختص بالفصل في الطعون المقدمة استئنافا وتغييرا مد الأحكام الصادرة عن محاكم القضاء الإداري، كما هو الحال في العراق بعد اعتماد نظام القضاء المزدوج.

وبنظرة تاريخية، نجد أن المراجعة التمييزية في فرنسا قد خضعت المراحل متعددة، ابتداء من النظام القديم، مرورا بالمرحلة الوسيطة، وصولا إلى المرحلة الحديثة، كما في لبنان، حيث أصبحت حقبة الطعون الموجهة ضد قرارات ديوان المحاسبة تتسم بمميزات الطعن التمييزي، أي أنها تتمتع بالطبيعة القانونية ذاتها التي للمراجعات المقدمة أمام محكمة التمييز العدلية، حيث نصت المادة 10 من قانون رقم ۲۲۷ تاريخ ۲۰۰۰/۵/۳۱ تتولى المحاكم الإدارية النظر في القضايا الإدارية في الدرجة الأولى، وتكون قراراتها قابلة للاستئناف أمام مجلس شورى الدولة .

ان المحاكم العادية للقضايا الإدارية، ومجلس شورى الدولة هو المرجع الاستئنافي أو التمييزي في القضايا الإدارية التي عين لها القانون محكمة خاصة، ومحكمة الدرجة الأولى والأخيرة لبعض القضايا.

بالمقابل، نجد أن الطعن بأحكام الهيئات القضائية التابعة للقضاء الإداري يكون أمام الجهات الاستئنافية أو التمييزية، كما هو الحال في العراق، حيث يتم الطعن تمييزا بالأحكام الصادرة عن محكمة قضاء الموظفين، ومحكمة القضاء الإداري أمام المحكمة الإدارية العليا، باعتبارها الجهة التمييزية للأحكام الصادرة عن محاكم القضاء الإداري، على أن هذا الطعن يمثل خاتمة المطاف بالنسبة للحكم الصادر عن محاكم القضاء الإداري، ويكون القرار الصادر نتيجة الطعن نهائيا وقطعيا.

أهمية البحث

يعد القضاء الإداري ركيزة أساسية في بناء دولة القانون الحديثة، فهو الضامن لحماية الحقوق والحريات الفردية في مواجهة سلطة الإدارة، ويسهر على تحقيق مبدأ المشروعية الذي يضمن خضوع جميع أعمال الإدارة للقانون في هذا الإطار، تكتسب دراسة تعدد المراجعات أمام القضاء الإداري أهمية قصوى، نظراً لدورها المحوري في توفير آليات فعالة للرقابة القضائية على أعمال الإدارة.

يتزايد تعقيد الأنشطة الإدارية وتنوعها بشكل مستمر، مما يؤدي إلى نشوء منازعات إدارية أكثر تعقيداً وتنوعاً. هذا التطور المستمر يستلزم وجود إطار قانوني واضح ومنظم للمراجعات القضائية، يضمن للأفراد القدرة على الطعن في القرارات الإدارية التي تمس حقوقهم.

فالقانون الإداري، بطبيعته المرنة وغير المقننة بشكل كامل، يتطور بشكل كبير من خلال الاجتهاد القضائي، حيث يبدع القاضي الإداري حلولاً ومبادئ قانونية تسد النقص في النصوص التشريعية.

ومع ذلك، فإن هذه الطبيعة الديناميكية للقانون الإداري، التي تسمح بالتكيف مع المستجدات، يمكن أن تولد أيضاً تحديات تتعلق بالوضوح واليقين القانوني، خاصة فيما يتعلق بشروط قبول الدعاوى القضائية. فغياب شروط قبول واضحة وموحدة قد يؤدي إلى غموض إجرائي أو فيض من الدعاوى غير المستحقة، مما يقوض الهدف الأساسي للعدالة الإدارية المتمثل في حماية حقوق الأفراد من تعسف الإدارة. لذا، فإن البحث في شروط قبول هذه المراجعات يصبح حيوياً لضمان التوازن بين فعالية الرقابة القضائية واستقرار المراكز القانونية للإدارة والأفراد على حد سواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock