المسؤولية الجنائية عن جرائم الذكاء الاصطناعي

ملخص
حدث في منتصف القرن الماضي ما سمي بالثورة المعلوماتية التي نقلت العالم من عصر الصناعة الى عصر المعلومات فظهر مجال افتراضي للمعاملات و مسرح اليكتروني للجرائم تجاوز مادية السلوك و عبر حدود الزمان و المكان ، شكلت هذه الثورة تحديا كبيرا لقوانين صدرت في عصر الصناعة و استلزمت صدور حزمة جديدة لمواجهة ما استجد من تطورات، لكن ظل الانسان رغم هذا التحول الحضاري الجديد هو اللاعب الرئيسي للسلوك، و ظلت ارادته هي أساس المسؤوليه الجنائية، كما استمرت الدولة باجهزتها الرسمية هي المتحكم من الناحية التقنية في البيانات المخزنة مركزيا على اجهزتها الخادمة من جهة ، وهي المسيطر من خلال النظام القانوني لها من جهة اخرى، في هذه الاثناء اخذت التقنية المعلوماتية تتطور في اتجاهين خطيرين شكلا ملامح عصر جديد ذو تحديات مختلفة عن تلك التحديات التي افرزتها الثورة المعلوماتية الاولى ،تمثل الاتجاه الأول في تقنية سلسلة الكتل أوالبلوك تشينchain Block، وثمثل الثاني في تقنية الذكاء الاصطناعي (AI (Intelligence Artificial بالنسبة للبلوك تشين أو نظام سلسلة الكتل الامنة فهو عبارة عن نظام للتخزين الحوسبي الموزع بشكل لامركزي لتسجيل الأحداثوالمعاملات والعناوين مما يستحيل معه تزوير او تغيير اي بيانات مخزنة او التلاعب فيها،أو السيطرة عليها لأنها تسمح بتسجيل كل معاملة تحدث وارسالها لكل مستخدم او مشترك في ذلك النظام المعلوماتي مما مهد لما سمي بالعملة الرقمية اللامركزية خارج سيطرة المؤسسات المالية الرسمية لأول مرة في التاريخ و ذلك عندما بدات هذه العملة في الانتشار و التداول بين الافراد عبر هذه الشبكة بعيدا عن الاجهزة الرقابية للدول لتشكل بذلك تحديا كبيرا للنظم القانونية للنقد والحماية الجنائية للأموال عامة و قوانين مكافحة غسل الاموال بصفة خاصة، أما بالنسبة للتقنية الاخرى فهي تقنية الذكاء الاصطناعي AI وهي تتمثل في خصائص معينة تتسم بها بعض البرامج الحاسوبية تجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها مثل القدرة على الاستنتاج ورد الفعل و اتخاذ بعض القرارات مثل السيارات و الطائرات ذاتية القيادة و بعض الاجهزة الطبية من جهة، و بعض البرامج و التطبيقات المتعلقة بتداول الاسهم المالية من جهة اخرى ، لتصبح الألة هي المتخذ للقرار و صاحبة السلوك حيث يثور الجدل حول القواعد التقليدية للمسؤولية الجنائية التي تعتمد على ارادة الانسان و قصده الجنائي. فهل يشكل انتشار هاتين التقنيتين ثورة معلوماتية ثانية ؟ و هل أصبحنا في حاجة لإعادة النظر في النظم القانونية الصادرة في حقبة الثورة المعلوماتية الاولى ؟ هذا ما سنحاول الاجابة عليه في هذه الورقة حيث يخصص المبحث الاول منها للتحدي المعلوماتي لسلسة الكتل و العملة الرقمية ، و يخصص المبحث الثاني للتحدي المعلوماتي للذكاء الاصطناعي.



